Back
BackToMain
PrevMode
Mode

الصفحة الرئيسية
كلمات إفتتاحية
مؤسسات مار الياس
مواقع اخبارية
جامعات
طاولة المكتب
مواصلات
ارشيف
English

قنديل أم هاشم – تحليل وملاحظات

 


1) فكرة "الوليّ" هي فكرة شائعة في المجتمعات الزراعيّة، ومن تحدّر منها؛ وهي تأتي تعبيرًا عن رغبة الناس بوجود شخصيّة خارقة تمنحهم الأمان والأمل في تحقيق أحلامهم؛ فهم يصنعون هذه الشخصيّة ويخلعون عليها صفات أسطوريّة خارقة، ويؤمنون بأنّها قادرة على شفاء المرضى وصنع الخوارق.

2) "الوليّ" يكون في العموم شخصيّة ذات تقوى وإيمان، فيجده الناس ملاذًا ومثلاً أعلى تضفى عليه أو على ضريحه صفات فوق إنسانيّة.

3) المجتمع الذي يؤمن بفكرة الولاية هو مجتمع ذو طبيعة واحدة خاضعة لقوانين غير قابلة للتغيّر، وكلّ من يخرج عن هذه الطبيعة يكون منبوذًا منـتقَدًا.

4) في قنديل أم هاشم تتجلّى فكرة الولاية من خلال وصف الكاتب لمقام السيّدة زينب (أم هاشم)، ووصف ارتباط أسرة البطل بالمسجد وبأعياده ومواسمه.

نقرأ من الرواية (ص 3):

... وهاجر جدّي -وهو شابّ- إلى القاهرة سعيًا للرزق، فلا عجب أن اختار لإقامته أقرب المساكن لجامعه المحبّب. وهكذا استقرّ بمنزل للأوقاف قديم، يواجه ميضأة المسجد الخلفيّة، وفي الحارة التي كانت تسمى (حارة المضية)، "كانت" لأنّ معول مصلحة التنظيم الهدّام أتى عليها فيما أتى عليه من معالم القاهرة. طاش المعول وسَلِمَت للميدان روحه، إنما يوفّق في المحو والإفناء حين تكون ضحاياه من حجارة وطوب! ثمّ فتح جدّي متجرًا للغلال في الميدان أيضًا. وهكذا عاشت الأسرة في ركاب الست وفي حماها: أعياد الستّ أعيادنا، ومواسمها مواسمنا، ومؤذّن المسجد ساعتنا. 

قد يتغيّر المكان، ولكنّ روحه أو الروح الحالّة فيه هي أمر ثابت لا يتغيّر. والناس أمثال عائلة إسماعيل تعيش متعلّقة بهذه الروح لا ترى الحياة إلا من خلالها، ولا تبني عاداتها سوى على إيقاع الاعتقاد بها وبقدسيّتها. وكلّما حدث أمر جيّد يعزى هذا الأمر إلى كرامات أم هاشم (كتوسّع تجارة الأب في القصّة)...

5) في قنديل أم هاشم يوظَّف القنديل وزيته كرموز للتعبير عن "فكرة الوليّ"، سواء بوصف نور القنديل أو بوصف قدرة الزيت على شفاء العيون. فالقنديل لا يخضع لقوانين الطبيعة، ونوره ليس ككلّ نور، إنه (ص 13-14):

 وسنان كالعين المطمئنّة، رأت وأدركت واستقرّت. يضفو ضوؤه الخافت على المقام كإشعاع وجه وسيم من أمّ تلقم رضيعها ثديها فينام في أحضانها...كلّ نور يفيد اصطدامًا بين ظلام يجثم وضوء يدافع، إلا هذا القنديل فإنه يضيء بغير صراع!  لا شرق هنا ولا غرب، لا النهار هنا ولا الليل، ولا أمس ولا غد.

في هذا الوصف تعطى لهذا النور صفة الخلود والأبديّة، إنّه نور إلهيّ، لا يقيّده صراع، بل هو متعالٍ عن أيّ صراع كان، والصراع -كما نفهم- هو أصل الوجود الإنسانيّ. عندما شبّه الكاتب القنديل بالعين المطمئنّة التي رأت وأدركت واستقرّت، فهو بذلك يعطيه صفة الإنسان الكامل الذي اكتشف سرّ الوجود وعرف مفاتيحه، وبالتالي ما عادت صراعات الوجود تعني له شيئًا. فهو إذًا "القنديل الكامل" وما يخرج منه هو نور الله.

   وبما أنّ القنديل يحمل جانبًا خارقًا ألهيًّا، فإنّ زيته يحمل الطبيعة الخارقة نفسها. فالزيت يشفي العيون من العمى؛ ولكن "يشفى بالزيت المبارك من كانت بصيرته وضّاءة بالإيمان، فلا بصر مع فقد البصيرة"(ص12). وهنا يتساءل قارئ: لماذا اختار الكاتب أن يكون الزيت علاجًا للعيون؟ فنقول: قد يكون مرض العيون تعبيرًا عن مرض في "النظر إلى الأمور"؛ فالزيت يعبّر عن الإيمان، ومن يتداوى بالزيت تنفتح عيونه ويشاهد الحقائق التي لم يكن يراها سابقًا. والعيون التي تبصر بعد المرض دلالة على المعرفة المتولّدة من الإيمان.

   والقنديل - بما هو تعبير عن فكرة الولاية- لا يعطي نوره أو زيته أو بركته لطبقة من الناس دونًا عن الأخرى، فهو لا يفضّل المؤمن على الخاطئ، بل إنه يرى إلى الناس بمنظار التساوي، ويرحّب بكلّ الناس حتى الخطأة منهم، عسى أن يتوبوا ويعودوا إلى حظيرة الإيمان.

   القنديل تعبير عن قدرة المطلق (الله) الذي يحكم ويتغلغل في النفس الشرقيّة، ومن حوله وعبره يكون للإنسان الشرقيّ تميّزه وخصوصيّته. ولذلك، يجد الشرقيّ كرامته وقيمته متعلّقة بالنظام الذي أنشأته فكرة الولاية والتقديس، ممّا يجعل كلّ مختلِفٍ عنه بمثابة تهديد لكيانه ووجوده.

6) اللقاء الحضاريّ بين الشرق والغرب هو الثيمة (الموضوع) المركزيّة التي تعالجها الرواية. إذ إنّ إسماعيل - بطل الرواية – يمثّل الإنسان الشرقيّ الذي ذهب إلى الغرب ليتعلّم، وهناك عاش صدمة حضاريّة جعلته يعيد النظر في قيم مجتمعه ومفاهيمه الثابتة التي لم يعتد مناقشتها.

    وقد عبّرت كتابات عديدة عن هذه الحالة الحضاريّة التي عاشها الشرق في بدايات القرن العشرين إبان انفتاحه على الحضارة الغربيّة[1]. حيث وقع الشابّ الشرقيّ في صراع حقيقيّ حول وجوده، ومعتقداته، مقارنًا بين الثقافتَين باحثًا عن معادلة سليمة يدمج فيها العقل بالإيمان، هذا ما حاول يحيى حقّي اقتراحه في الرواية.

  لقد صوّرت قنديل أم هاشم هذا الصراع مع بداية الفصل السادس، أي بعد عودة إسماعيل طبيبًا للعيون من "بلاد برّا". حيث يسرد الكاتب بأسلوب الاسترجاع الفنّيّ (Flash back) بعض أهمّ التغييرات التي أحدثتها أوروبا في نفسيّة إسماعيل، وذلك بتوظيف شخصيّة ماري التي كانت تنطق بروح وفكر الحضارة الغربية(ص 23-26):

- يا عزيزي إسماعيل. الحياة ليست برنامجًا ثابتًا، بل مجادلة متجدّدة.

يقول لها: "تعالي نجلس" فتقول له: "قم نسر". يكلّمها عن الزواج، فتكلّمه عن الحبّ. يحدّثها عن المستقبل فتحدّثه عن حاضر اللحظة. كان من قبل يبحث دائمًا خارج نفسه عن شيء يتمسّك به ويستند إليه. دينه وعبادته، تربيته وأصولها، هي منه مشجب يعلّق عليه معطفه الثمين. أما هي فكانت تقول له: "إنّ من يلجأ إلى المشجب، يظلّ طول عمره أسيرًا بجانبه يحرس معطفه. يجب أن يكون مشجبك في نفسك". إنّ أخشى ما تخشاه هي: القيود، وأخشى ما يخشاه هو: الحريّة(...)

لحظته ماري وحلقة المرضى والمهزومين تطبق عليه يتشبثون به، كلّ يطلبه لنفسه، فأقدمت وأيقظته بعنف:

- أنت لست المسيح بن مريم! "من طلب أخلاق الملائكة غلبته أخلاق البهائم!" و"الإحسان أن تبدأ بنفسك"...

يعرض الكاتب عبر هذه الصفحات صورة لأفكار المجتمع الأوروبيّ، وهو بذلك يضع القارئ أمام المشهد الحضاريّ المناقض للمجتمع الشرقيّ الذي وصفه سابقًا. وبهذا يعدّه للمرحلة التالية، مرحلة الصراع بين هذين النموذجين الحضاريّين في شخصيّة إسماعيل العائد إلى وطنه.

 7) الصراع في النصّ:

كما ذكرنا، فإنّ الصراع الذي يدور في نفسيّة ووعي إسماعيل، يمثّل للصراع الذي عاشه الشباب الذين غرّبوا بغرض التعلّم، وعاشوا في المجتمعات الأوروبية، ثمّ عادوا إلى أوطانهم.

لقد وصل إسماعيل –طبيب العيون الذي شهد له أساتذته بالبراعة-، وفي نفسه رغبة أن يغيّر ما في المجتمع، فكان "يتشوّق للمعركة الأولى، وسرح ذهنه فإذا هو كاتب في الصحف، أو خطيب في أحد المجتمعات يشرح للجمهور أفكاره ومعتقداته"(ص28).

   لكنّ هذه النظرة الرومانسيّة، تتحطّم عندما يصطدم إسماعيل بالواقع. فها هو ذا يرى أمّه في أوّل ليلة له بين أهله تقطر من زيت القنديل لفاطمة النبوية، "أليس من العجيب أنه وهو طبيب عيون يشاهد في أوّل ليلة من عودته، بأيّ وسيلة تداوى بعض العيون في وطنه؟!"(ص32).

   في هذه اللحظة يتحرّر الصراع، فينتقل من نفسيّة إسماعيل إلى علاقته مع مجتمعه الأوّل، ويبدأ هو بمواجهة المجتمع بأفكاره الجديدة، وبثقة من درس طبّ العيون مدّة سبعة أعوام. ولا يقتصر ردّ إسماعيل الانفعاليّ الغاضب على أهل بيته، بل إنّه يقرّر تحطيم قنديل أم هاشم، فهو سبب "عمى العيون" وخرابها برأيه، لذلك يتعرّض للضرب والتنكيل من "أتباع ومريدي" القنديل. وبعد ذلك يحاول معالجة فاطمة النبويّة حتى يثبت مصداقيّة علمه إلا أن محاولته -ويا للمفاجأة- تبوء بالفشل، عند ذلك يهرب من البيت هائمًا على وجهه.

   الصراع بين إسماعيل والقنديل، هو الصراع بين العلم وأفكاره وبين الإيمان بالمعتقدات الدينيّة والسلوكيّات الاجتماعيّة الناتجة عنها. فالقنديل الذي يرمز إلى الشرق ومقدّساته، وغيبيّته يواجه شابًّا خرج ورأى وأدرك فاستقرّت في ذهنه الأفكار العلميّة التي لا ترى من الإيمان بالقنديل وما وراءه سوى خزعبلات وأفكار مريضة.

   كيف يمكن أن يصل إسماعيل وما يمثّله إلى حلّ للصراع الذي يعيشه؟

   لقد طرح يحيى حقّي فكرة التوفيق بين العلم والإيمان. إذ من الواضح أنّ إسماعيل لن يستطيع أن يخترق بأفكاره مجتمعًا عاش مئات السنين على الإيمان بالقدرات الخارقة لأوليائه وبالمعجزات التي تحصل وفقًا لمدى تقوى وإيمان الفرد – فينتزعها ويغيّرها بعلمه. كما أنّه لن يعود، بالضرورة، كما كان قبل سبع سنين. كيف يظهر هذا التوفيق في النص؟   نقرأ في الصفحات 43- 46:

1- يحدّث إسماعيل نفسه: لماذا خاب؟ فقد عاد من أوروبا بجعبة كبيرة محشوّة بالعلم، عندما يتطلّع فيها الآن يجدها فارغة، ليس لديها على سؤاله جواب، وهي أمامه خرساء ضئيلة، ومع خفّتها فقد رآها ثقلت في يده فجأة.

2- وحلّت ليلة القدر... فانتبه لها إسماعيل، ففي قلبه لذكراها حنان غريب. رُبّيَ على إجلالها والإيمان بفضائلها، ومنزلتها بين الليالي.. لا يشعر في ليلة أخرى بمثل ما يشعر فيها من خشوع وقنوت لله.

3- ...ورفع إسماعيل بصره فإذا القنديل في مكانه يضيء كالعين المطمئنّة التي رأت وأدركت واستقرّت. خيّل إليه أنّ القنديل، وهو يضيء، يومئ إليه ويبتسم.

وجاءه الشيخ درديري يسأله عن صحته وأخباره، فيميل إليه إسماعيل يقول:

- هذه ليلة مباركة يا شيخ درديري، أعطني شيئًا من زيت القنديل.

- والله إنت بختك كويس... دي ليلة القدر، وليلة الحضرة كمان.

وخرج إسماعيل من الجامع وبيده الزجاجة وهو يقول في نفسه للميدان وأهله:

- تعالوا جميعًا إليّ! فيكم من آذاني، ومن كذب عليّ،ومن غشّني، ولكنّي رغم هذا لا يزال في قلبي مكان لقذارتكم وجهلكم وانحطاطكم، فأنتم مني وأنت منكم. أنا ابن هذا الحيّ أنا ابن هذا الميدان. لقد جار عليكم الزمان، وكلّما جار واستبدّ، كان إعزازي لكم أقوى وأشدّ.

ودخل الدار ونادى فاطمة:

-        تعالي يا فاطمة! لا تيأسي من الشفاء. لقد جئتكِ ببركة أمّ هاشم ستجلى عنك الداء، وتزيح الأذى، وتردّ إليكِ بصركِ فإذا هو جديد(...)

وعاد من جديد إلى علمه وطبّه يسنده الإيمان. لم ييأس عندما وجد الداء متشبثًا قديمًا، يجادله بعناد ولا يتزحزح، ثابر واستمرّ، ولاحت بارقة الأمل ففاطمة تتقدّم للشفاء على يديه يومًا بعد يوم. وإذا بها تكسب في آخر العلاج ما تأخّرته في مبدئه، وهي تقفز أدواره الأخيرة قفزًا.

في الاقتباس الأوّل، أعلاه، تظهر محاسبة إسماعيل لنفسه، وهذه بداية تحوّل عن موقفه السابق من مجتمعه، كما أنّها محاولة جدّية لوجود حلّ لمشكلته. التي تستمرّ حتى مجيء ليلة القدر، حيث تغمره الذاكرة ويعود ليحتضن تراثه وحضارته، فهي امتداده الثقافيّ الذي لا يمكن له أن ينفصم عنه. وبذلك، نجده –في الاقتباس الثالث- يتصالح مع معتقدات مجتمعه ويسخّرها لمصلحة الإنسان بمرافقة العلم الذي اكتسبه. فإنّ شفاء فاطمة النبويّة هو دليل على صحّة تصرّف إسماعيل الذي دمج بين علمه وبين إيمان مجتمعه.

   يظهر إسماعيل في آخر حياته نموذجًا للإنسان القادر على إعادة بناء المجتمع الذي يعيش فيه من خلال احترامه لعقليّة وطبيعة هذا المجتمع، وتقديم العلوم الحديثة له بطريقة ملائمة.

8) لقد وظّف الكاتب في النصّ شخصيّات عديدة يمكننا اعتبارها شخصيّات تمثيليّة تعبّر عن نماذج معيّنة في المجتمع الشرقيّ.

إسماعيل: نموذج للشاب المتعلّم الذي اكتشف "حقيقة" حضاريّة أخرى فعاش صراعًا حضاريًّا حتى وصل إلى توفيق وانسجام بين متناقضات. اسمه يذكّر بالحضارة العربيّة، فإسماعيل هو جدّ العرب الأوّل.

فاطمة النبويّة: تمثّل مصر والحضارة العربيّة الإسلاميّة عمومًا، وهي المصابة بالتخلف وتحتاج علاجًا، يتحقّق بأبنائها الذين يتعلّمون ويتثقّفون. وفاطمة هو اسم ابنة الرسول الكريم، وبذلك هو اسم يعبّر عن المسمّى المرموز له بصورة دقيقة.

ماري: تمثّل، بأفكارها وحياتها، النظرة الغربيّة للأمور. ظهرت كبديل لفاطمة النبويّة في حياة إسماعيل في مرحلة تعلّمه في أوروبا.

الشيخ درديري: هو حارس الأسرار المقدّسة. أو لعلّه خادم و"مسوّق" للأفكار التي يحيا بها المجتمع الشرقيّ المتديّن.

السمراء الخاطئة: تمثّل فكرة التوبة في الثقافة الشرقيّة. وهي فكرة تتآلف مع ديانات الشرق بما فيها من تقبّل للإنسان الذي يندم على أخطائه، فلا ترذله بل تبتهج لعودته.

9) الراوي في قنديل أم هاشم  هو مشرف كلّيّ مُعلِّق. فهو يروي الأحداث بضمير المتكّلم(كان جدّي...)، وهو بعيد زمانيًّا عن الأحداث، إذ يفهم القارئ أنّه يستلّها من ذاكرته ويرويها بعد زمن من حدوثها. وهو في روايته يعلّق على ما يقول ويدخل رأيه: "اتسع المتجر وبورك فيه – وهذا من كرامات أم هاشم-" (ص4). وهو يصف أفكار فاطمة وأحاسيسها(ص5) رغم أنه لم يعش معها.

يندمج الراوي مع بطل الرواية في بعض المشاهد، كقوله: "خلق غفير ضربت عليهم المسكنة، وثقلت بأقدامهم قيود الذل. ليست هذه كائنات حيّة تعيش في عصر تحرّك فيه الجماد..."(ص35). هنا، يتحدّث الراوي ولكنه يعبّر عن أفكار إسماعيل، ويصوّر ما يجول بداخله.      

    نماذج لإجابات مقترحة عن عدد من أسئلة "البجروت" حول قنديل أم هاشم:

 

صيف 1999:

أ) في النصّ يظهر تناقض تامّ بين نظرة كلّ من إسماعيل وماري إلى الحياة. اذكر جوانب هذا التناقض وبيّن دلالاته.

يمثّل إسماعيل بآرائه وأفكاره نمط التفكير السائد في المجتمع الشرقيّ؛ وبالمقابل، تمثّل ماري الحضارة الغربيّة، بفكرها وطبيعتها. فإسماعيل يبحث دائمًا عن ثبات واستقرار، يفكّر في المستقبل، في الزواج، يجامل ويتعاطى مع الناس من خلال "حسابات" يقدّر فيها احتمالات ودّهم له وحكمهم عليه، فإن تقبّلوه خرج ظافرًا، وإن رفضوه خرج منكسرًا. في حين أنّ ماري لم تفكّر بذلك الاستقرار، فهي ترى الحياة مجادلة متجدّدة، لا ثبات فيها، لذلك تجدها تعيش الحبّ غير آبهة للمستقبل، وتحاول استغلال اللحظة التي تعيشها، وهذا سرّ حياتها؛ كما لو أنّها تقول: الحياة زمن عابر، هديّة أُعطيناها وعلينا أن نتمتّع بها.

التناقض بين نظرة إسماعيل ونظرة ماري هو التناقض بين الحضارتين المذكورتين. فالشرق الروحاني دائم البحث عن الثبات والاستقرار، يحاول أن يخلق "أبديّة" ما في الزمن المتحرّك؛ بينما الحضارة الغربيّة الحديثة تقنع بحركة الزمن وتجاريه عبر إيمانها بالعقل والتفكير العلميّ.   

وابن الشرق، مع إيمانه، يفضّل العيش داخل قيود اجتماعيّة توصله إلى الكذب والرياء كي يتدبّر عيشه، بينما الغربيّ يتحرّر من هذه القيود ليبحث عن ذاته وعن حريّته وكرامته كإنسان. الشرقيّ يجد كرامته في القيود؛ بينما يجدها الغربيّ في الحريّة.

ب) طرأ تحوّل على شخصيّة إسماعيل في الرواية. بيّن هذا التحوّل متطرّقًا إلى عوامله.

عاش إسماعيل تحوّلات عديدة، وهذا منطقيّ وطبيعيّ في شخصيّة المثقّف الذي ينكشف على أفكار مختلفة يتأثر بها، ومن ثمّ يغربلها ويختار منها ما يناسبه.

الصدمة الأولى في حياة إسماعيل كانت مع خروجه إلى أوروبا للتعلّم، وهناك وجد مجتمعًا جديدًا مع أنماط سلوكيّة تختلف عمّا خبره. وهنا تدخل ماري إلى حياته وتبدأ بصهره وتكوينه من جديد. فبات، بعد أن تعرّف عليها، إنسانًا جديدًا، كان عفّا فغوى، صاحيًا فسكر، كما تعلّم كيف يتمتّع بجمال الوجود. أمّا التحوّل الثاني فكان إبان عودته إلى بلاده، حيث اكتشف مقدار الجهالة والجمود الذي يعيشه الناس في موطنه، فعزم على تغيير ذلك، بَيْد أنّه صُدِم من الواقع وفشل في مواجهته حتّى أدركَ أنّ عليه أن يوفّق بين علمه وعقله وبين الإيمان والمعتقدات السائدة، فلا يواجهها بصورة عنيفة، بل يتساعد بها كي يوصل علمه للناس ويغيّر فيهم.

ج) (راجع التحليل ص 6)... عبارتان تبيّنان أنّ المشرف كلّيّ معلّق:

"كان من قبل يبحث دائمًا خارج نفسه عن شيء يتمسّك به ويستند إليه...".

"إنّ أخشى ما تخشاه هي: القيود، وأخشى ما يخشاه هو: الحرّيّة".

في هاتين العبارتين نلاحظ أنّ الراوي الذي يسرد الأحداث لا يكتفي بالحديث عن الحدث الخارجيّ الذي يدور في الواقع، بل هو يدخل إلى الشخصيّات، يحلّلها، ويعرض قيمها وأفكارها، والدوافع التي تقف وراء سلوكيّاتها.

صيف 2001

أ) راجع التحليل.

ب)

تطعيم الفصحى بالعامّيّة: يظهر هذا التوظيف في العبارة التالية:

"هل هذا كلّ ما تعلّمته في بلاد برّة؟!"

تطعيم الفصحى بالعامّيّة هو أحد الأساليب المستعملة في الروايات والنصوص الحديثة عمومًا، والغاية من هذا الاستعمال هي إكساب النصّ جانبًا من الواقعيّة، يمكّن القارئ من ربط النصّ بالحياة الإنسانيّة، كما يحدّد، على المستوى الجغرافيّ، أيّ المجتمعات الإنسانيّة يتحدّث عنه الكاتب... فاستعمال اللهجة المصريّة، كما في النصّ أعلاه، يبيّن أنّ الحديث هو عن المجتمع المصريّ.

- استخدام الجمل القصيرة: يظهر هذا التوظيف في ما يلي:

"...انفجر بشدّة من جديد/ فقد وعيه/ وشعر بحلقه يجفّ/ وبصدره يشتعل/ وبرأسه يموج../شبّ على قدميه واقفًا/ لا شكّ أنّ في نظرته ما يخيف"

نلاحظ أنّ استعمال الجمل القصيرة جاء منسجمًا مع المضمون الذي تعبّر عنه هذه الجمل، والحالة النفسيّة التي يعيشها إسماعيل. فهو غاضب منفعل، دقات قلبه سريعة، وعلى إيقاع دقات قلبه السريعة جاءت الجمل متدفّقة قصيرة متسارعة لتعبّر عن الحالة. وقد تعبّر، كذلك، عن سرعة انهياره العصبيّ عند مواجهته للحدث.

- تعليق الراوي على الأحداث:

"وكان لصوت تحطّمها في الطريق دويّ القنبلة الأولى في المعركة".

" لن ينكص عن أن يطعن الجهل والخرافة في الصميم طعنة نجلاء- ولو فقد روحه".

في هذه التعليقات يكشف الراوي عن محرّكات الصراع في النصّ، فالمسألة كما يظهرها الراوي ليست مسألة "أذى عيون فاطمة" بل غشاوة وجهل يواجهه المتعلّم المثقّف في مجتمعه، سيواجهه حتى لو فقد روحه. هي معركة ونضال اجتماعيّ لا مفرّ من القيام به. فالراوي عبر تعليقاته ينقلنا من مستوى الحدث إلى ما يعبّر عنه ويرمز إليه الحدث في الواقع.

صيف 2003  

أ) راجع التحليل.

ب) في النصّ وصف للصراع الذي يعيشه إسماعيل.

ما هو الأسلوب الذي وظّفه الكاتب لوصف هذا الصراع؟ وضّح مبيّنًا أثر هذا الأسلوب على المتلقّي(القارئ).

يستعمل الكاتب أسلوب الاستفهام. إذ يدخل الراوي إلى نفس إسماعيل ويعرض الأسئلة التي تدور في ذهنه: هل يعود إلى أوروبا..؟ لِمَ لا يتزوّج هناك...؟

هذا الأسلوب يعبّر عن الصراع الذي يعيشه إسماعيل في هذه المرحلة. فالسؤال تعبير عن الشكّ، وعن التردّد، وهو أسلوب الحديث مع المستقبل... فأنت تتساءل عمّا سيكون، وعمّا ستفعل. أمّا أثر هذا الأسلوب على المتلقّي فيتمحور في إشراكه بالأسئلة، ودفعه إلى التفكير بالصراع الذي يعيشه البطل، والبحث عن حلول لإشكاليّة وجوده. ومن ناحية أخرى، هو يجعل القارئ يتشوّق إلى معرفة الطريق التي سيسلكها البطل، ومعرفة الحلّ الذي قد يقترحه الكاتب لاحقًا.

 

 

صيف 2006 

أ) (راجع الرواية والتحليل).

ب) شخصيّة إسماعيل هي شخصيّة مدوّرة نامية. ماذا يقصد بذلك؟ وما هي المراحل الأساسيّة التي مرّت بها هذه الشخصيّة؟ وضّح.

الشخصيّة المدوّرة النامية هي الشخصيّة التي تنمو وتتطوّر وتتغيّر مع تطوّر الأحداث إيجابيًّا أو سلبيًّا. وشخصيّة إسماعيل مرّت بتحوّلات عديدة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، فكان التحوّل الأوّل لدى خروج البطل إلى أوروبا، حيث اعتنق النمط الأوروبيّ في حياته؛ ثمّ حدث التحوّل الثاني عندما صُدم من الواقع المصريّ وحاول تغييره، أمّا في النهاية، فقد عادل بين العلم الذي تعلّمه وبين معتقدات بلاده، وحاول خلق انسجام بينهما، فحقّق استقرارًا وأنهى الصراع في نفسه وفي القصّة. (لمزيد من الشرح هنا، يمكن العودة إلى التحليل، وإلى الإجابة عن قسم ب من بجروت صيف 1999).

شتاء 2006/2007  

أ) (راجع التحليل أعلاه).

ب) هناك من يرى أنّ القنديل في الرواية هو شخصيّة روائيّة كسائر الشخصيّات. وضّح هذه الرؤية.

يرمز القنديل في الرواية إلى المعتقدات والأفكار الغيبيّة التي يؤمن بها المجتمع الشرقيّ. وبمعنى آخر يمكن اعتباره حاكمًا متسلّطًا على نفوس الناس وعقولهم. إذ كانوا ينشدون من خلاله الخلاص من واقعهم القاسي، ومشاكلهم. جاءت شخصيّة إسماعيل لتكون النقيض أو البديل لسلطة القنديل، وبالتالي فإنّه يهدّد وجود تلك السلطة وتأثيرها. وخروج إسماعيل ضدّ القنديل في مرحلة معيّنة هو خروج ضدّ السلطة.

القنديل "يشفي" عيون الناس، عنده تختفي التناقضات، يثور الناس إن اعتدي عليه، ويؤمنون به إيمانًا لا جدل فيه. فهو إذاً تعبير عن المطلق والثبات  الذي يحتاجه الإنسان الشرقيّ ويبحث عنه. لذلك من الجدير أن نعتبره شخصيّة فاعلة وهامّة جدًّا في هذه الرواية.

الاستاذ فادي معلوف

               

  

        

 

 



[1] راجع روايات مثل: عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم؛ موسم الهجرة إلى الشمال للطيّب صالح، والحيّ اللاتيني لسهيل إدريس. 

إعداد الصفحة للطباعةإعداد الصفحة للطباعة
.
<>

مؤسسات مار الياس التربوية، المدرسة الثانوية، ص.ب. 102 عبلين 30012 الجليل، تلفون:8432100-04 فاكس: 8432123-04